الثعلبي
289
الكشف والبيان عن تفسير القرآن ( تفسير الثعلبي )
مبهوتين وقفا عليها يتعجّبون منها ، منهم من يقول : ما كان أيّوب يعبد شيئا وما كان إلّا في غرور ، ومنهم من قال : لو كان إله أيّوب يقدر على أن يصنع شيئا لمنع وليّه ، ومنهم من يقول : بل هو الذي فعل ما فعل ليشمت به عدوّه ويفجع به صديقه . قال أيوب : الحمد لله حين أعطاني وحين نزع منّي ، عريانا خرجت من بطن أمّي ، وعريانا أعود في التراب ، وعريانا أحشر إلى الله سبحانه ، ليس ينبغي لك أن تفرح حين أعارك وتجزع حين قبض عاريته ، الله أولى بك وبما أعطاك ، ولو علم الله فيك أيّها العبد خيرا لتقبّل روحك مع تلك الأرواح فآجر لي فيك وصرت شهيدا ، ولكنه علم منك شرا فاخّرك « 1 » ، وخلصك من البلاء كما يخلص الزوّان من القمح الخالص . فرجع إبليس لعنه الله إلى أصحابه خاسئا ذليلا فقال : ماذا عندكم من القوّة فإني لم أكلّم قلبه ، قال عفريت من عظمائهم : عندي من القوة اما إذا شئت صحت صوتا لا يسمعه ذو روح إلّا خرجت مهجة نفسه « 2 » ، قال له إبليس : فأت الغنم ورعاها فانطلق يأتي الغنم ورعاها حتى إذا توسطها صاح صوتا جثمت أمواتا من عند آخرها ، ومات رعاؤها ، ثم خرج إبليس متمثّلا بقهرمان الرعاء حتى إذا جاء أيوب وهو قائم يصلّي ، فقال له القول الأول وردّ عليه أيّوب الردّ الأول . ثمّ إن إبليس رجع إلى أصحابه فقال لهم : ماذا عندكم من القوّة فإنّي لم أكلّم قلب أيّوب ، فقال عفريت من عظمائهم : عندي من القوّة ما إذا شئت تحوّلت ريحا عاصفا تنسف كلّ شيء تأتي عليه حتى لا أبقي شيئا ، قال له إبليس : فأت الفدادين والحرث ، فانطلق يؤمهم وذلك حين قرنوا الفدادين وأنسؤوا في الحرث ، وأولادها رتوع ، فلم يشعروا حتى هبّت ريح عاصف فنسفت كلّ شيء من ذلك حتّى كأنّه لم يكن ، ثم خرج إبليس متمثّلا بقهرمان الحرث حتى جاء أيّوب وهو قائم يصلّي فقال له مثل قوله الأوّل وردّ عليه أيّوب مثل ردّه الأوّل ، فجعل إبليس يصيب ماله مالا مالا حتى مرّ على آخره ، كلّما انتهى إليه هلاك مال من أمواله حمد الله وأحسن عليه الثناء ورضي بالقضاء ووطّن نفسه للصبر على البلاء حتى لم يبق له مال . فلمّا رأى إبليس أنّه قد أفنى ماله ولم ينجح منه بشيء صعد سريعا حتى وقف الموقف الذي كان يقفه فقال : إلهي إنّ أيّوب يرى أنّك ما متّعته بنفسه وولده فأنت معطيه المال ، فهل أنت مسلطي على ولده فإنّها الفتنة المضلّة والمصيبة التي لا تقوم لها قلوب الرجال ولا يقوى عليها صبرهم .
--> ( 1 ) في نسخة أصفهان : فأخرجك . ( 2 ) في نسخة أصفهان : مهجته .